اسماعيل بن محمد القونوي
413
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
الآية إما عدم كون المرتبة الأولى مرادة فبقرينة عطف اتقوا على آمنوا وجعله عطف تفسير خلاف الظاهر وقوله تعالى : لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ [ الأعراف : 96 ] الآية يشعر بعدم كون المرتبة الأولى مرادة وإما عدم إرادة المرتبة الثالثة فغير ظاهر . قوله : ( والثالثة أن يتنزه عما يشغل ) من الأشغال بمعنى يلهيه ( سره ) أي قلبه أصل السر الحديث المكتوم فأريد به هنا محله مجازا ولا يعد في إطلاق السر على القلب حقيقة ( عن الحق ) أي الخالق تعالى فإن الحق من الأسامي السامية ( ويتبتل إليه ) أي إلى الحق التبتل هو الانقطاع إليه تعالى بالعبادة وإخلاص النية وبملاحظة جلاله وجماله ومعرفة مبدئه ومعاده وهذا يؤيد كون المراد بالحق هو اللّه تعالى إذ لا حاصل لانقطاع العبد إلى الحق المقابل للباطل ( بشراشره ) أي بكليته جمع شرشرة بمعجمتين مكسورتين ومهملتين أوليهما ساكنة وثانيتهما مفتوحة وهي القطعة من الشيء فشرشره قطعه فتبتله إلى الحق انقطاعه بجميع قطعه التي هي أعضاؤه وحواسه حتى فؤاده قال صاحب القاموس في شرح الديباجة الشراشر الأثقال الواحدة شرشرة يقال ألقي عليه شراشره أي نفسه حرصا ومحبة وشراشر الذئب زباذبه ولا يخفى أن هذا مخالف لما ذكرناه أولا والمناسب للمقام هو الأول والثاني يحتاج إلى التكلف في تطبيقه على المراد هنا . قوله : ( وهو التقوى الحقيقي ) أي اللائق بما يسمى التقوى لتحقق المرتبتين الأوليين فيها مع زيادة قيود أخرى فهو ليس بمقابل المجاز فلا إشكال بأن المرتبتين الأوليين أيضا حقيقيتان فما وجه التخصيص بها ( المطلوب بقوله تعالى : اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ [ آل عمران : 102 ] الآية ) وإنما قال المطلوب بقوله تعالى ولم يقل الواجب إذ الظاهر أن الأمر للندب لأنه لو كان للوجوب لزم أن يكون من هو موصوف بالمرتبة الثانية من التقوى آثما عاصيا وليس كذلك فهو لمجرد التحريض على قطع المراتب وتكميل النفس بأكمل المعارف وتفسيره هذه الآية بقوله حق تقواه وما يجب فيها وهو استفراغ الوسع في القيام بالواجب والاجتناب عن المحارم كقوله تعالى : فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [ التغابن : 16 ] الآية يوهم « 1 » أن الأمر للوجوب وأنها ليست بمنسوخة بقوله : فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [ التغابن : 16 ] فمآلها ح المرتبة الثانية من التقوى إذ الاستطاعة في التقوى لكل أحد هي المرتبة الثانية يؤيده ما قاله أجلة المفسرين لما نزلت هذه الآية شق ذلك عليهم فقالوا يا رسول اللّه ومن يقدر على ذلك فأنزل اللّه تعالى : فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [ التغابن : 16 ] قوله : وهو المطلوب بقوله تعالى : اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ [ آل عمران : 102 ] فإن حق التقوى هو الانقطاع إليه تعالى بالكلية .
--> ( 1 ) الحاصل لو قيل إن الأمر للوجوب وأن المراد المرتبة الثالثة فهذه الآية تكون منسوخة بتلك الآية وإن قيل إن الأمر فهذه للندب وألا تكون علينا لا لنا لا تكون منسوخة وإن كان المراد المرتبة الثالثة وإن قيل الأمر للوجوب والمراد بالتقوى المرتبة الثانية لأنه حق التقوى بالنظر إلى العوام فلا تكون منسوخة .